هاني حوراني

مقالات4 نوفمبر 2026

ابواب ونوافذ

Hani Houraniقراءة 4 دقيقة

ابواب ونوافذ
في معرضه المقام حالياً بصالة بلدنا الحوراني يؤنسن الصورة ويتحدث معها برعاية أمين عمان الكبرى المهندس نضال الحديد افتتح مؤخراً في صالة بلدنا معرض الصور الفوتوغرافية للفنان هاني الحوراني تحت عنوان "أبواب ونوافذ"، والفنان الحوراني من الفنانين المتخصصين بالتصوير الضوئي حيث ينشئ في الصورة مشهداً جديداً، فهو يعيد إنتاج المخبوء داخل الاعتيادي والتقليدي.ولم يتورط الحوراني في التقاط ما تراه العين فقط، بل ذهب إلى نبش جماليات التفاصيل الغائبة في عموم المشهد، من خلال التركيز على البحث والتفتيش في جماليات جديدة يفاجئ من خلالها المشاهد وكأنه يذكرنا بموجوداتنا اليومية بصورة مدهشة.فمن البوابة العريقة المليئة بالرموز والإشارات العفوية ندخل أمكنته الملتقطة ونتجول في مناخ القدم والأصالة الفنية بمكنوناتها التعبيرية، فهو لم يتوقف عند مكان بحد ذاته بل رافقته العدسة إلى حيث يكون.في معرضه هذا رحلة ونزهة حقيقية في طقوس مكانية متنوعة، من المغرب العربي إلى مصر وعمان والشام، ليبحث عن الملامس الخفية للجدران، عن نقوش زمانية داخل الخشب ويظهره كأنه الحرز الذي يحمي القادم للصورة من شرور السرعة والآلة، فمن نوافذه نطل على دواخلنا التي هجرت هذه الأمكنة. لقد استطاع الحوراني أن يعيد لنا روائح المكان القديمة بكل تجلياتها وخصائصها الجمالية الأصيلة.فالباب لديه كائن حي يتنفس من الجدار ويفتح ذراعيه للعين كي تتجول داخل أسراره المختفية في ظلال الصورة. فهو ينتقل بعدسته من منطقة النور إلى مناطق العتمة، وكأنه يرسم لنا ظلال الأشياء، مشكلاً بذلك لوحات بصرية تتقابل وتتعاكس من خلال حركة الضوء، مشتغلاً على الإيقاع وتكرار الأشكال الظلالية بشكلها الأفقي والعمودي، فالناظر إلى نوافذه المرصوصة يلحظ التماثلات في الأشكال غير المنتظمة والأشكال عفوية البناء.فهو يلتقط المشهد الطازج كما لو أنه شارك في تشييده. فقد أعاد بناءه من خلال عدسته الدقيقة والذكية، فكل خط ملتقط له دلالته البصرية في مجمل الصورة. أنه يشتغل على لعبة الظلال والإضاءة، ويشير بشكل خفي إلى أسرار يومية لا تراها العين العادية، فنلاحظ أن قوس الباب خرج من شكله الهندسي إلى شكله الإنساني، مظهراً جماليات الزخارف والتكوين في كل مساحة، فقد أظهرت صورة الفروقات الجمالية في أنواع الأبواب المصورة، فالباب التونسي ملئ بالزخارف ومطعم بالمعادن ونراه يعتمد على القوس الواسع بالإضافة إلى الرموز والحروف، انه يعبر عن طبيعة المجتمع الذي صنعه فلم يترك الحوراني لقطة إلا وأشتغل عليها وأظهرها، كما لو أنه يشير إلى لوحات حداثوية قد أنجزت من قبل فنان ماهر.لقد استطاع الحوراني أن يتنقل بعين المشاهد في مناطق جمالية تكاد تكون بكرا، مناطق غير منتهكة، فمن أبوابه ندخل باتجاه الزقاق والممرات الحميمة التي تأخذنا إلى نهاية نقطة الضوء الخفيفة، معطياً إحساساً إنسانياً في البيوتات، وكأنها كائنات إنسانية ملتحمة يسند واحدها الآخر.أما المشربيات المصرية فنلحظ ذكاء اللقطات حيث تعطينا الإحساس الكامل بمعلقات ومقرنصات خشبية غاية في الجمال، شكل الغبار الموجود على الجدران له حساسية ملمسية مهمة في وظيفتها التعبيرية، فلم تعد الصورة لديه مجرد فتحة للعدسة بل حياة جديدة لأمكنة كادت أن تموت بوجداننا. لقد أعاد روحها وأنفاسها إلى الممرات والنوافذ والأبواب والثقوب، فكل شكل لديه يتحدث عن ذاته بلغة صامتة ومكثفة تظهر سطوة الزمن من خلال التطحلب والتأكسد مع العوامل الطبيعية فقد زادتها العراقة جمالية جديدة.ان هذه التجربة بمثابة رسالة إنسانية تدعونا إلى الرجوع إلى أصول جمالياتنا وإعادة إدامتها والمحافظة عليها، لأنها تشكل تاريخ أمة ومجتمعات كانت قد سكنت هذه البيوتات، فمن خلالها نستطيع أن ندرس طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة آنذاك، فالبيت مكان اطمئنان ساكنه ومكان أسراره وأحلامه. محمد العامري عمان - الدستور
مشاركةتويتر